ابن قيم الجوزية
52
البدائع في علوم القرآن
أولا : القرآن الكريم كلام رب العالمين المنزل على قلب خاتم النبيين صلى اللّه عليه وسلم كتاب هداية وبيان ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه ، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات ، من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام : صراط اللّه المستقيم . والقرآن مليء بالحث على التفكر والتدبر والنظر في السماوات والأرض وفيما خلق اللّه من جبال وأنهار وبحار وأشجار وكواكب ونجوم إلى سائر مخلوقات اللّه تعالى جامدة أو حية . وفي أيام الذين خلوا من قبل . وهذا يكاد لا تخلو منه سورة من السور وإن غلب ذلك على السور المكية كالأنعام والنحل وغيرها ، مثلا : يقول اللّه تعالى : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذاريات ] وكقوله : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) [ الغاشية ] إلى كثير من الآيات التي تكلم عنها جمع من العلماء بما عرف بالتفسير العلمي . يقول العلامة الدكتور / محمد حسين الذهبي رحمه اللّه تعالى في معنى التفسير العلمي : نريد بالتفسير العلمي : « التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن ، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها » « التفسير والمفسرون » ( 2 / 454 ) . وللحديث عن التفسير العلمي في القرآن ، وموقف المؤيدين منه والمعارضين ، مقام ليس هنا ، وإلّا طال المقال عن ضرورة الحال . ومن أحسن من كتب وجمع وحلل الآراء في هذه المسألة - مع الاختصار أيضا - فضيلة الأستاذ الدكتور / فهد الرومي في كتابه الممتع البديع « اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر » في الفصل الثالث « المنهج العلمي التجريبي في التفسير » ( 2 / 545 - 702 ) وقد رجح المؤلف حفظه اللّه بين الآراء بأقوال جيدة ونظرات ثاقبة ( 2 / 602 ) وأرى - واللّه أعلم - حسن ما ذهب إليه ، وهو عدم رفض وإنكار التفسير العلمي بشرط ضرورية للخوض فيه . ثم يقول بعد ذكره هذه الشروط : « أقول : لا رفض للتفسير العلمي مطلقا ، ولا تأييد وتسليم له مطلقين ، بل جمعا بين حقيقتين : حقيقة قرآنية ثابتة بالنص الذي لا يقبل الشك ، وحقيقة علمية ثابتة بالتجربة والمشاهدة القطعيتين ، ومن هنا كنا متفقين كما أسلفنا على أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية ، وإنما يقع التصادم عندما ندعي حقيقة علمية في الكون وهي ليست حقيقة علمية ، أو ندعي حقيقة قرآنية ، وهي ليست حقيقة قرآنية » ( 2 / 603 ) . وقد نبّه الأستاذ المؤلف للفرق بين أمرين هامين وهما : « التفسير العلمي » و « الإعجاز العلمي » . أما أولهما فهو مثار البحث والمناقشة ، وأما ثانيهما فأحسبه أمرا مسلما لا جدال فيه ولا إشكال ( 2 / 600 ) اه .